وسائل الإعلام المعاصرة والدولة..من يهدد من؟
    طقس الأحد.. أمطار وزخات رعدية بهذه المناطق             إعلان مفاجىء من ترامب حول مقتل خاشقجي يحرج السعودية             ربيعي يفوز بنزاله الإحترافي السابع ويرفع راية المغرب عاليا             عــاجل… هذه هي طبيعة إصابة ميسي ومدة غيابه !!             مواطن يفضح ما يقع بالمركز الصحي بميضار !!            بنكيران : بدأت مشواري ببيع الكتب وجافيل            الجزائر تحظر ارتداء النقاب في أماكن العمل            مطاردة ثور هائج في شارع محمد الخامس بوجدة            ما رأيكم في استعمال "عبارات دارجة" في المقررات الدراسية؟             ما هي أسباب تنامي ظاهرة الانتحار بالجهة الشرقية؟            هل تتوقعون أن ينجح المدرب الجديد للأسود لتحقيق نتائج ايجابية؟           


أضيف في 15 يونيو 2018 الساعة 11:47

وسائل الإعلام المعاصرة والدولة..من يهدد من؟


عبدالله ابوعوض



لا شك أن العصر الذي نعيشه هو عصر الإعلام والإتصال، حيث صارت لغة الصورة هي العنصر الأقوى جاذبية في وقتنا الحالي، وإذا كانت صناعة الأفكار عند استحضارها تستوطن عند المتلقي ليوم كامل، فإن استحضار الصورة يأخذ مساحة زمنية عنده لمدة ثلاث سنوات، لهذا يقال في المثل الصيني ( ألف فكرة تعادل صورة واحدة)، وقياسا عليه في ظل التطور الهائل الذي عرفته وسائل التكنولوجية الإعلامية نستقي معنى ( لقطة عبر الكاميرا شهادة على مر التاريخ) وهذه الشهادة تكون معك أو ضدك، وعين المتلقي مغرفة الكلام، حيث أن ما بدء يشاع من خرجات إعلامية من الواجهتين المعنية والمرسل إليها، أصبحت معبرة عن قناعات لشريحة لا بأس بها من المتتبعين الذين ينخرطون معها تأييدا أو رفضا، ومن تم تقييما ومحاكمة، لذا كان من الأجدر على الدولة أن تتفطن أن هذا العصر سادت عليه سلطة أقوى من ترسانتها القانونية، وكذا إجراءاتها الاحترازية السباقة في استشراف الأحداث والتوقعات وإعداد سبل معالجتها، ألا وهي سلطة الإعلام، فتقرير بسيط لقناة أو ريبورتاج لأحد الهواة في مجال نقل الأحداث، قد يلصق نتيجة معينة إيجابا أو سلبا لمدة زمنية طويلة عليها، وإن كانت زاوية المعالجة والموضوع المتناول بسيط ويمتاز بالاستثنائية.

فكيف يمكن للإعلام أن يكون رهان الدولة في عصرنا الحالي؟ وكيف يمكن للإعلام أن يعجز الدولة عن مسايرة أحداثها ومعالجتها؟.

عصر السوشل ميديا.. وفوضى التعبير

إذا كان التلفزيون والإذاعة والصحف هي اللغة الإعلامية الكلاسيكية، فإن الغنى عنها يبقى من درب المستحيلات رغم بروز عوالم أخرى في لغة الاتصال، حيث ظهر على الساحة بروز مواقع التواصل الإجتماعي وعلى رأسها الفايس بوك، وكذلك تلفزيون الويب والمواقع الالكترونية التي لا تخلوا من فيديوهات تعبر عن الأحداث من خلال تصادفها ونقلها أو البحث عنها وتسجيلها، إلى غير ذلك من الممارسات التواصلية في عالم الإعلام والاتصال، غير أن طبيعة الواقع جعلت لغة منصات التواصل الإجتماعي هي الأقرب والأقصر مسافة في الممارسة الإعلامية، هددت بشكل مباشر النمط التقليدي للإعلام، وخاصة الإعلام الرسمي في الدول المتخلفة إعلاميا. فوضعت نفسها بديلا مباشرا دون قيد أو شرط المهنية، كما أنها وسيلة يطغى عليها الفردانية في التعبير والارتجالية في صياغة القناعات، فالفايس بوك لم يعد منبرا للتواصل الاجتماعي فقط، بل أضحى وسيلة لاستجماع الرأي الجمعي حول هدف معين، أو نقل رأي موجه، وهو بذلك يفقد شرعية الوسائل الإعلامية الأخرى، لأن ما يحتاج المرء سماعه تأطيرا من الشاشة أو المذياع أو الصحيفة، دون أن يكون له رأي إلا نقاشا جانبيا ومشافهة ، صار يسمعه من الحائط الأزرق مع امتلاكه كامل الصلاحية في قبوله أو رفضه أو في نقله والتعليق عليه. وهذه القاعدة تعكس تخبطا مهولا في التأطير أو التشخيص أو المعالجة، لأن حرية التعبير في الحائط الأزرق تعكس معنى الإستبطان ( تأمل الحالات الشعورية الداخلية التي يشعر بها الفرد) ومعنى الإسقاط ( أن يفرغ الشخص ما يشعر به هو على غيره من الناس) وكلاهما يكون من ضرب الخيال استيعابهما لشخصنتهما، وهما على لسان واقعنا لا تبتعدا عن تصنيف ممارسي حرية التعبير في الحائط الأزرق أن تخرج عن:

-ممارس تحكمه المعرفة ورسالته التوعية ويطغى على تعبيره الموضوعية

- ممارس تؤطره المعرفة وتغيب عنه الرسالة وشغفه الحقيقة.

- ممارس تغيب عنه المعرفة ويوجهه وعيه وليس له رسالة ولا موضوعية.

- ممارس جاهل ليست له لا رسالة ولا معرفة ولاوعي ولاموضوعية.

وكل واحد من الفئات الأربع له عالمه الإعلامي اليوم الذي يعبر فيه عن قناعته أو الترويج لما يتوافق مع مبادئه.

سؤال المهنية وهوس التسويق

نظرا لكثرة المواقع الالكترونية وتشعب أخبارها، ومصادرها بدأ يطرح سؤال المهنية الذي أصبح مقرونا باستيعاب أعلى نسب المشاهدة ولو على حساب المهنية، فبعض ما يصطلح عليه ب ( الميكرو طروطوار) لبعض المواقع يعمد على استهداف شباب بسيطي المعلومة والشكل، ويتم طرح أسئلة علمية أو اجتماعية عليهم، وهي أسئلة في مجملها بسيطة وبديهية، فيكون الجواب صاعقة من حيث المحتوى، أو ردة فعل لا أخلاقية تعكس حكما على ذلك النموذج بصفة عامة(مثل الأسئلة التي تطرح على بعض تلاميذ الباكالوريا )، دون مراعاة أن هذه الممارسة قاسمة لصورة المغرب, وتعطي انطباعا لدى غير المغاربة عن المغرب برؤية يطبعها السلبية والتخلف.

فسؤال المهنية أصبح يفرض نفسه في، من هو الصحافي ؟، وما هي شروطه العلمية والمهنية ؟، وحتما لن ندخل في الإجابة عن هذا السؤال من حيث الجوانب العلمية، ولكن برؤية متشددة، يمكن أن نقول، الصحافي هو ذاك الذي يستشعر المسؤولية والإحساس برقابة الضمير والمساهم في تشخيص الواقع ومعالجته بمهنية وجدية، وشروطه تكمن في الوطنية والإنسانية والموضوعية والبذل والعطاء.

الدولة بين إعلامين.. أي بين تحديين

لا عد لها ولا حد مظاهر الاحتجاج الاجتماعي ووسائل الرفض للحوادث التي تقع داخل المجتمع، وبما أن وسيلة نقل هذه الحوادث بجزئياتها لا يمكن استيعابها إعلاميا، صار الهاتف النقال هو الوسيلة الأقرب والأوفر في استيعابها، ولا عيب في ذلك ما دامت تساهم في التوعية والتشاركية الاجتماعية من خلال اقتراح معالجتها سواء بالقضايا التي تحتاج التضامن الاجتماعي أو القضايا التي تحتاج التوعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال تنوير الرأي العام، ولكن إن كانت هذه الزاوية مهمة في استغلال وسائل التكنولوجية المعاصرة بما هو فائدة، فإنه في نسبتها المئوية قد لا تتجاوز على أكثر تقدير عشرون في المائة، لتبقى المساحة الأعم لما هو نقل الهوايات الخاصة والصور الشخصية، أو الأفكار التي يطغى عليها طابع النكتة، ولكن الأخطر من ذلك كله وهو الذي أصبح يأخذ النصيب الأهم في الموضوع، نقل المظالم حقيقة، أو اختلاق المظالم كذبا وتلبيسا، وهو الذي يحتم علينا الوقوف على تشخيص بعضها من خلال الأمثلة الحقيقية التالية:

يقف رجل ويمسك بمتشرد والكاميرا في يد صاحبه ومتوجهة إليه، يكشف عن حالة ذلك المتشرد( الذي لا نعرف أسبابه التي أدت به إلى ذلك) لا ليطلب له المساعدة أو ليوقظ ضمائر من سيشاهدون الفيديو، ولكن ليبدأ بسب الدولة والقائد والشرطة ووزارة الصحة ويختم بسب الوطن.

يخرج رجل بفيديو عبر الهاتف النقال ويضعه في الفايس بوك، ويقول أنه إطار سابق في وزارة معينة كان في قسم الميزانية، فيتهم مسؤولين بالاختلاس وإفراغ ميزانية الدولة بالسرقة رغم علم وزارة المالية والمجلس الأعلى للحسابات والكثير من المؤسسات بهذه الاختلاسات ولم يقع ذلك المسؤول في يد العدالة، وهو بذلك تجاهل أنه قصف كل تلك المؤسسات في شرعيتها، وبقي هو الوحيد الذي يقول الصواب والحقيقة.

بعض الناس من المهجر يسجلون فيديوهات مقارنة بين حال المغرب وحال البلاد التي يقبعون تحت سيطرة قانونها لينقلوا لنا بأفواههم أبشع السباب والشتم في حق الالوطن، علما أنهم تناسو فرارهم من بلدهم التي لم يستطيعوا مساعدتها حتى بالكلمة الطيبة عندما كانوا فيها وتحت سمائها.

امرأة كانت تزاول مهنة الصحافة كتبت ( ماتت الحكومة ولتعش حكومة الفايس بوك هههه) منقول

أو بعض المدونون الذين يتراقصون بألفاظهم في صياغة كلمات يخيطون بها مجموعة من المعلومات الخاطئة، معتمدين على مصادر من قرائهم من خلال طلبهم التواصل معهم على الخاص لمدهم بالمعلومات حول موضوع معين للكتابة فيه، ويراهنون على عدد متتبعيهم في نقل أقوالهم، علما أن ما يتم الإعلام بِه من أرقام المتتبعين عند وصول المليون، لا يكون سوى خمسة في المئة، أو سياسة دعم القراءة بالتمويل المالي البسيط عادة لزيادة المتابعة من إدارة الفايس بوك، وكل تلك الكتابات تداعب الجراح المكلومة في عاطفة الناس دون اقتراح أي حلول ترقى بالوطن. وهم لا يعلمون أن وظيفتهم نقلية وليست إصلاحية، وتيئيسية وليست توجيهية .

برلمانيون يستثمرون المواقع الالكترونية، ويرفعون اللغة المجتمعية إلى البهرجة السياسية، بالزيادات المقنعة التي تهمس في الكواليس قياس زيادة نسب المتعاطفين، وهم بذلك يتجاهلون ولا يجهلون، أن الزيادات على أوتار الهموم عند الشعب تعطي اليأس العام وترسخ التذمر عند المتلقي، وهذا الأخير يعكس هذا التذمر في وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن أبشع وأفضع ما تم تداوله مقطع المختل العقلي الذي ساق حشودا من البشر لشق الجبل بضواحي بولمان لاستخراج الذهب، حيث نقلت خطبته المهرطقة، وعلق عليه أنه صاحب قدرة هائلة في التأثير وحشد الجموع، ومرة أخرى يقال ( لما لا تستثمر الدولة هذا الشاب لقدرته على جمع الناس بدل أن تدافع عن سنطرال) باختصار يمكننا أن نجزم بالقول (حديث المقاهي، حديث الفايس بوك ومواقع التواصل الاجتماعي) وهذا يفاجىء بتأثيره على شريحة ليست بالهينة باعتبارها رأيا عاما.

والكثير الكثير من النماذج التي تصب في مجملها محاصرة الدولة، وطبعا في غياب تام وجهل مطبق للإعلام العمومي، ليفسح المجال للفايس بوك بصفته إعلام الفردانية المؤثر على الجماعة.

فتنتقل هذه الفيديوهات وتعليقاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتكون مادة دسمة للقنوات الإخبارية العربية والعالمية، الموضوعية والمتربصة، لتستثمر لرفع نسب المشاهدة وملأ الساعات الإخبارية، فتكون العودة لتلك المادة إلى أولئك المزاجيون في مرافعات الفايس بوك، ليعيدوا نقلها تحت عنوان( قنوات عالمية تتضامن مع .... ويتم إعادة الفيديو للنشر وهكذا دواليك. والمهدد الأول والرئيس الدولة من تلك المغالطات، أو حتى الحقائق إن سلمنا والتي يمكن أن تعالج أحداثها محليا وفي أبسط الإدارات.

لذا فإن الدولة في تجاهلها للإعلام تكون بين تحديين رئيسيين:

الأول: إعلام الفايس بوك والمنصات الرقمية، التي تنهش زواياها بالمغالطات وتؤطر الرأي العام تأثيرا وتأثرا.

الثاني: استغلال الإعلام الخارجي لهذه المواد الناقلة لواقع الداخل، واستثمارها لتشويه صورة الدولة سواء برؤية استراتيجية، أو تغني إعلامي دعائي.

الإعلام كصمام أمان للدولة واستقرارها

هذا المعنى قد يقال من المسلمات، والصواب أن يقال هو قلب المسلمات، فبعض الدول أثبتت بتجربتها الاستثمار في الإعلام، انعكس عليها بشكل كبير من خلال حملها للعالمية دعائيا، وكذلك صارت تلعب أدوارا رئيسية في السياسة الدولية، والدولة عندما تعطي الأولوية للإعلام وتدعم الاستثمار فيه تحقق مجموعة من المكاسب يمكن الإلماع إليها باختصار في:

التعريف بنفسها ومواردها الطبيعية والبشرية، ومقوماتها البيئية، والتاريخية....

امتصاص الأحاديث المجتمعية التي تهتم بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

سحب البساط عن النقاشات الفايسبوكية المبنية على المزاجية و كل مواقع التواصل الاجتماعي، لتؤسس نقاشات موضوعية لكل ما يهم الشأن العام بحرفية ومهنية.

توجيه الرأي العام للنقاش البناء واعتماد الرأي والرأي المغاير، ليكون الإعلام هو الوجه المعبر عن هموم المجتمع في برامجه معتمدا الوضوح والشفافية.

أن يعاد النظر وبصيغة مستعجلة في القنوات العمومية وهيكلتها وأطرها بما يتوافق مع تحديات الدولة، وما تفرضه المرحلة من حساسية مفرطة في استعجال امتصاص ما يتداول في المنصات الرقمية باختلافها.

أن تستوعب الدولة أن منصات التواصل الاجتماعي تفتح المجال على مصراعيه للدول المجاورة وغير المجاورة في الاشتراك المباشر لتوجيه الرأي العام المحلي لكل ما هو سلبي، بل تعمل على دعمه ماديا من خلال السياسة الإشهارية في زيادة نسب التتبع، من إدارة الفايس بوك مثلا.

وسيناريو الفايس بوك وكل منصات التواصل الاجتماعي، تضع الدولة في الواجهة، وخير مثال على ذلك الفيلم الوثائقي للمخرجة روان الضامن ( الطريق إلى ٢٥ يناير ) الذي بين بوضوح كيف يصاغ الهدف الواحد للرأي العام بوعي جمعي ومن تأطير فوضى الفايس بوك.

*أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا
موسم هجرة الريفيين إلى إسبانيا
أدبٌ عربيّ أم أدبٌ إسلاميّ ؟
قضايا التعليم غيض من فيض "رؤية استراتيجية" مغرضة !
القراءة والتعليم عهد جيلين متكاملين !
أخـلاقيات العمل وظروف التفاني فيه
مشكلة "أطفال الدواعش" !
من هم أعداء الإسلام، حسب قناعة المغربي والعربي ؟
النّكبة في ذكراها السّبعين.. مَأساة ومُعاناة شعب
"ماء سيدي البحر".. إكسير الحياة السياسية !
خطبة الجمعة .. وصناعة المضمون !